تمتلك شركة بيركشاير هاثاوي التابعة لوارن بافيت أسهم شركة نفيديا بشكل غير مباشر من خلال صناديق المؤشرات المتداولة لمؤشر S&P 500 مثل SPY و VOO. تميل فلسفته الاستثمارية عمومًا إلى تجنب الاستثمارات المباشرة في أسهم التكنولوجيا، بما في ذلك نفيديا، رغم نموها الكبير. هذا النهج يفسر تعرضه غير المباشر بدلاً من الملكية المباشرة للشركة.
فهم "المعقل" الاستثماري لوارن بافيت
وارن بافيت، الذي يُلقب غالباً بـ "عراف أوماها"، نجح في صياغة فلسفة استثمارية حققت عوائد استثنائية لمساهمي شركة بيركشاير هاثاواي (Berkshire Hathaway) على مدار عقود. وتتجذر مقاربته بعمق فيما يُعرف بـ "الاستثمار في القيمة" (Value Investing)، وهي مدرسة فكرية رادها معلمه بنجامين جراهام. ولفهم السبب وراء عدم إدراج شركة مثل إنفيديا (NVIDIA) بشكل مباشر في محفظته، من الضروري استيعاب المبادئ الأساسية التي توجه قرارات بافيت.
المبادئ الجوهرية للاستثمار في القيمة
في جوهره، يتمحور الاستثمار في القيمة حول شراء الأصول بأقل من قيمتها الحقيقية. إنها استراتيجية منضبطة طويلة الأجل تتناقض بشكل صارخ مع التداول القائم على المضاربة أو ملاحقة الأسهم الرائجة. بالنسبة لبافيت، السهم ليس مجرد رمز على الشاشة، بل يمثل ملكية في عمل تجاري حقيقي. وتتضمن عمليته التحليلية فحصاً دقيقاً للصحة المالية للشركة، وجودة الإدارة، والمزايا التنافسية، وإمكانات الأرباح المستقبلية.
وتشمل الجوانب الرئيسية لإطاره في الاستثمار في القيمة ما يلي:
- القيمة الجوهرية (Intrinsic Value): يسعى بافيت لتقدير القيمة الحقيقية والكامنة للعمل التجاري، بشكل مستقل عن سعر سهمه الحالي في السوق. يتضمن ذلك خصم التدفقات النقدية المستقبلية وإعادتها إلى القيمة الحالية، وهي عملية معقدة تتطلب فهماً عميقاً للشركة وصناعتها.
- هامش الأمان (Margin of Safety): بمجرد تقدير القيمة الجوهرية، يصر بافيت على شراء السهم فقط عندما يكون سعر السوق أقل بكثير من تلك القيمة. يعمل هذا "هامش الأمان" كحاجز وقائي ضد مشاكل العمل غير المتوقعة، أو الانكماش الاقتصادي، أو الأخطاء في التقييم، مما يحمي رأس المال ويوفر مساحة للنمو.
- الأفق طويل الأجل: لا يهتم بافيت بالمكاسب قصيرة الأجل. فهو يستثمر بنية الاحتفاظ بالشركات لسنوات عديدة، ويفضل أن يكون ذلك "للأبد". تسمح هذه المقاربة الصبورة لمبدأ التراكم (Compounding) بممارسة سحره، وتتيح للعمل الأساسي النمو وتحقيق كامل إمكاناته.
- شركات لا أسهم: ينظر بافيت إلى شهادات الأسهم كملكية جزئية في شركة. وينصب تركيزه على فهم عمليات الشركة، ومنتجاتها، وعملائها، ومشهدها التنافسي، بدلاً من مجرد تحليل أنماط الرسوم البيانية أو معنويات السوق.
غالباً ما يؤدي هذا التحليل الأساسي الدقيق ببافيت وفريقه بعيداً عن الشركات التي تبدو تقييماتها منفصلة عن أرباحها الحالية، أو التي تكون آفاقها المستقبلية غير مؤكدة أو قائمة على المضاربة بشكل كبير.
عقيدة "دائرة الكفاءة"
ربما يكون أحد أشهر المبادئ التي صاغها بافيت وأكثرها تأثيراً هو "دائرة الكفاءة" (Circle of Competence). فهو ينصح المستثمرين بالالتزام بما يعرفونه ويفهمونه. هذا لا يعني أن يصبح المستثمر خبيراً في كل صناعة، بل يعني تحديد المجالات المحددة التي يمتلك فيها معرفة ورؤية حقيقية، ثم تركيز الجهود الاستثمارية داخل ذلك النطاق.
يشرح بافيت ذلك بأفضل طريقة: "ما يحتاجه المستثمر هو القدرة على تقييم شركات مختارة بشكل صحيح. لاحظ كلمة 'مختارة': ليس عليك أن تكون خبيراً في كل شركة، أو حتى في شركات كثيرة. عليك فقط أن تكون قادراً على تقييم الشركات ضمن دائرة كفاءتك. حجم تلك الدائرة ليس مهماً جداً؛ ولكن معرفة حدودها أمر حيوي للغاية".
لعقود من الزمن، شملت دائرة كفاءة بافيت في المقام الأول صناعات مثل التأمين، والخدمات المصرفية، والسلع الاستهلاكية، والطاقة، والسكك الحديدية؛ وهي شركات ذات أرباح مستقرة وقابلة للتنبؤ بها ونماذج اقتصادية مفهومة. وقد اشتهر بتجنب شركات التكنولوجيا المبكرة، معترفاً بأنه لم يستوعب تماماً تقنياتها المعقدة، أو دورات الابتكار السريعة، أو استدامة مزاياها التنافسية. وقد خدمه هذا القيد الذاتي بشكل جيد، حيث منعه من ملاحقة الصيحات العابرة أو القيام برهانات غير مدروسة في مجالات لا يفهمها.
السعي وراء "الخنادق الاقتصادية"
حجر زاوية آخر في فلسفة بافيت الاستثمارية هو البحث عن شركات ذات مزايا تنافسية دائمة، والتي يطلق عليها اسم "الخنادق الاقتصادية" (Economic Moats). تماماً كما تحمي القلعة المحاطة بخندق مائي من الغزاة، فإن الشركة التي تمتلك خندقاً اقتصادياً قوياً تكون محمية من المنافسين الذين يحاولون قضم أرباحها.
ويمكن أن تتخذ هذه الخنادق أشكالاً متنوعة:
- قوة العلامة التجارية: تستفيد شركات مثل كوكاكولا أو See's Candies من علامات تجارية قوية ودائمة تفرض ولاء العملاء وأسعاراً ممتازة.
- مزايا التكلفة: الشركات التي يمكنها إنتاج سلع أو خدمات بتكلفة أقل من المنافسين تكتسب ميزة كبيرة (مثل بعض منتجي السلع الأساسية أو شركات الخدمات اللوجستية الفعالة).
- تأثيرات الشبكة (Network Effects): تزداد قيمة المنتج أو الخدمة مع زيادة عدد الأشخاص الذين يستخدمونها (مثل منصات التواصل الاجتماعي، أو شبكات بطاقات الائتمان).
- تكاليف التبديل المرتفعة: يواجه العملاء تكاليف أو إزعاجاً كبيراً إذا قاموا بتبديل مقدمي الخدمة (مثل برمجيات المؤسسات، أو الخدمات المالية).
- براءات الاختراع والتكنولوجيا المملوكة: يمكن للحماية القانونية أو الاختراقات التكنولوجية الفريدة أن تخلق خنادق مؤقتة ولكنها قوية. ومع ذلك، يميل بافيت إلى الحذر من الخنادق التي تعتمد فقط على التكنولوجيا سريعة التطور، لأنها قد تكون زائلة.
يحدد "خندق" الشركة قدرتها على تحقيق عوائد مستدامة وفوق المتوسط على رأس المال على المدى الطويل. وبدون خندق واضح ودائم، تكون الشركة عرضة لمنافسة شديدة يمكن أن تآكل الأرباح وقيمة المساهمين. وعند تقييم شركات التكنولوجيا، وخاصة في القطاعات سريعة الوتيرة مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، يصبح تقييم طول عمر هذه الخنادق ومدى قابليتها للدفاع تحدياً كبيراً للمستثمر الذي يركز على القدرة على التنبؤ على المدى الطويل.
إنفيديا: عملاق تكنولوجي يتحدى التقييم التقليدي
تعتبر إنفيديا (NVIDIA) عملاقاً في صناعة أشباه الموصلات، وهي شركة لم تبتكر فحسب، بل أعادت صياغة سوقها باستمرار. ويقدم مسارها، وخاصة في السنوات الأخيرة، تباينًا صارخًا مع نوع الشركات ذات النمو المتوقع والمستقر التي تميز عادةً استثمارات بافيت المباشرة.
صعود عملاق أشباه الموصلات
تأسست إنفيديا في عام 1993، وتركت بصمتها في البداية من خلال تطوير وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) لسوق ألعاب الكمبيوتر المزدهر. كانت هذه الوحدات أقوى بكثير وأكثر تنوعاً من وحدات المعالجة المركزية (CPUs) التقليدية لمهام محددة، وخاصة عرض الرسومات ثلاثية الأبعاد المعقدة. وضع هذا التخصص المبكر الأساس لهيمنتها المستقبلية.
بمرور الوقت، وسعت إنفيديا آفاقها، مدركةً إمكانية تطبيق تقنية GPU الخاصة بها على نطاق أوسع. وأصبحت شرائحها ضرورية لـ:
- التصور المهني (Professional Visualization): تُستخدم في مجالات مثل البحث العلمي، والتصوير الطبي، وإنتاج الأفلام، حيث تبرز الحاجة إلى قوة حوسبة هائلة للرندرة والمحاكاة.
- قطاع السيارات: تشغيل أنظمة المعلومات والترفيه، وأنظمة مساعدة السائق المتقدمة (ADAS)، ومنصات القيادة الذاتية بالكامل.
- مراكز البيانات: قطاع محوري تُستخدم فيه وحدات GPU من إنفيديا للحوسبة عالية الأداء (HPC)، والحوسبة السحابية، والأهم من ذلك، أعباء عمل الذكاء الاصطناعي.
إن قدرة إنفيديا على التحول وتوسيع ريادتها التكنولوجية إلى ما هو أبعد من مجرد الألعاب لتشمل هذه الأسواق المتنوعة وعالية النمو تظهر ابتكارها وبعد نظرها الاستراتيجي.
ثورة الذكاء الاصطناعي وهيمنة إنفيديا
جاء التسارع الحقيقي لتأثير إنفيديا مع ظهور ثورة الذكاء الاصطناعي (AI). أصبح من الواضح أن قدرات المعالجة المتوازية لوحدات GPU، المصممة أصلاً لمعالجة الرسوميات، كانت مناسبة تماماً للمطالب الحسابية لخوارزميات تعلم الآلة والتعلم العميق. ويتطلب تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المعقدة معالجة مجموعات بيانات ضخمة في وقت واحد، وهي المهمة التي تتفوق فيها وحدات GPU.
لم تكن إنفيديا مجرد مورد للأجهزة؛ بل قامت أيضاً ببناء نظام برمجيات قوي حول وحدات GPU الخاصة بها، وأبرزه "كودا" (CUDA). كودا هي منصة للحوسبة المتوازية ونماذج البرمجة التي تسمح للمطورين باستخدام وحدات GPU من إنفيديا للمعالجة العامة. خلق هذا النظام عائقاً كبيراً أمام دخول المنافسين، مما أدى إلى تأثير شبكة قوي حيث يعني وجود المزيد من المطورين الذين يستخدمون كودا زيادة الطلب على أجهزة إنفيديا، وهو ما جذب بدوره المزيد من المطورين.
دور الشركة في الذكاء الاصطناعي متعدد الأوجه:
- الريادة في الأجهزة: تعد مسرعات GPU من طراز A100 و H100 من إنفيديا المعيار الذهبي لتدريب واستنتاج الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات حول العالم.
- النظام البرمجي: كودا وأدوات تطوير الذكاء الاصطناعي المختلفة (مثل cuDNN و TensorRT) تسهل على الباحثين والمطورين الاستفادة من أجهزة إنفيديا.
- الابتكار في المنصات: تستمر إنفيديا في تطوير منصات متكاملة (مثل أنظمة DGX) التي تجمع بين الأجهزة والبرمجيات والشبكات لتحقيق الأداء الأمثل للذكاء الاصطناعي.
هذا الموقع الراسخ في مشهد الذكاء الاصطناعي سريع التوسع دفع إيرادات إنفيديا وسعر سهمها إلى مستويات غير مسبوقة، مما جعلها واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا قيمة على مستوى العالم.
التقييم في قطاع سريع التطور
بالنسبة لمستثمر مثل وارن بافيت، يمثل تقييم شركة مثل إنفيديا تحديات فريدة تبتعد عن إطاره التقليدي:
- التقادم التكنولوجي السريع: بينما تعد إنفيديا رائدة، تتميز صناعة أشباه الموصلات بابتكار لا يتوقف. التكنولوجيا المتطورة اليوم يمكن أن تصبح قديمة في غضون سنوات قليلة. وهذا يجعل توقع التدفقات النقدية المستقرة طويلة الأجل أمراً صعباً للغاية. فما مدى استدامة "الخندق" عندما يمكن لمنافس أن يتخطى التكنولوجيا الحالية؟
- تكاليف البحث والتطوير المرتفعة (R&D): يتطلب الحفاظ على الريادة استثمارات ضخمة ومستمرة في البحث والتطوير. ورغم ضرورتها، إلا أن هذا يمكن أن يؤثر على الربحية والتدفق النقدي الحر على المدى القصير إلى المتوسط.
- الدورية (Cyclicality): يمكن أن تكون صناعة أشباه الموصلات دورية، متأثرة بالظروف الاقتصادية العالمية، وديناميكيات سلسلة التوريد، ودورات ترقية المنتجات.
- المنافسة الشديدة: رغم تقدم إنفيديا القوي، إلا أنها تواجه منافسة هائلة من صانعي رقائق آخرين (مثل AMD و Intel) وحتى من عملائها أنفسهم (مثل مزودي الخدمات السحابية الذين يطورون رقائق ذكاء اصطناعي مخصصة).
- "الاحتمالية" مقابل "القدرة على التنبؤ": يرتبط جزء كبير من تقييم إنفيديا بإمكاناتها في تقنيات المستقبل مثل الميتافيرس، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي المتقدم. ورغم أنها مثيرة، إلا أن هذه "الاحتمالات" يصعب قياسها بالدقة التي يطلبها بافيت لحسابات القيمة الجوهرية. فهو يفضل الأرباح التي يمكن التنبؤ بها من الأسواق القائمة، وليس الاحتمالات المستقبلية.
هذه العوامل تجعل من الصعب للغاية تطبيق حساب "القيمة الجوهرية" الكلاسيكي بدرجة اليقين التي يطلبها بافيت للاستثمارات المباشرة المركزة. ويصبح هامش الأمان أصعب في التحديد عندما يكون مشهد الأعمال المستقبلي مائعاً للغاية.
مفارقة الملكية غير المباشرة: صناديق الاستثمار المتداولة S&P 500
نظراً لتفضيلات بافيت المعلنة وخصائص إنفيديا، قد يبدو الكشف عن أن "بيركشاير هاثاواي" تمتلك أسهماً في إنفيديا بشكل غير مباشر أمراً متناقضاً. ومع ذلك، فإن هذا التعرض لا يأتي من شراء مباشر للأسهم، بل من خلال صناديق المؤشرات الخاملة (Passive Index Funds) مثل SPDR S&P 500 ETF Trust (SPY) و Vanguard S&P 500 ETF (VOO). وفهم سبب امتلاك بيركشاير لهذه الصناديق، وبالتالي إنفيديا، هو المفتاح لحل هذه المفارقة الظاهرية.
ما هي صناديق المؤشرات S&P 500؟
صندوق مؤشر S&P 500 هو أداة استثمارية، عادة ما تكون صندوقاً متداولاً (ETF) أو صندوقاً مشتركاً، يهدف إلى محاكاة أداء مؤشر S&P 500. ومؤشر S&P 500 في حد ذاته هو مؤشر مرجح بالقيمة السوقية يتتبع أداء 500 من أكبر الشركات المدرجة في الولايات المتحدة.
الخصائص الرئيسية لصناديق مؤشر S&P 500:
- التنويع: من خلال امتلاك جميع الشركات الـ 500، توفر هذه الصناديق تعرضاً واسعاً لسوق الأسهم الأمريكية، مما يقلل من المخاطر المرتبطة باختيار الأسهم الفردية.
- التكلفة المنخفضة: تتم إدارتها بشكل خامل، مما يعني عدم وجود مدير صندوق يبحث بنشاط ويختار الأسهم. وينتج عن ذلك رسوم إدارة أقل بكثير مقارنة بالصناديق المدارة بنشاط.
- عائدات السوق: الهدف ليس التغلب على السوق، بل مطابقة أداء السوق. وتاريخياً، حقق مؤشر S&P 500 عوائد قوية على المدى الطويل.
- الشفافية: الحيازات معروفة علناً وتتبع تركيبة المؤشر.
تشتري هذه الصناديق أساساً شريحة صغيرة من كل شركة في مؤشر S&P 500، بما يتناسب مع قيمتها السوقية. فإذا نمت القيمة السوقية لشركة ما، يزداد وزنها في المؤشر (وبالتالي في صندوق الاستثمار المتداول).
تأييد بافيت للاستثمار الخامل
على الرغم من أن بافيت مستثمر نشط أسطوري، إلا أنه دافع باستمرار وبقوة عن الاستثمار في صناديق المؤشرات الخاملة للغالبية العظمى من الأفراد. وحجته بسيطة:
- التغلب على السوق أمر صعب: يعتقد بافيت أن قلة قليلة من مديري الصناديق النشطين يتفوقون باستمرار على السوق على المدى الطويل، خاصة بعد احتساب الرسوم.
- رسوم أقل، عوائد أعلى: إن التأثير التراكمي للرسوم المنخفضة في صناديق المؤشرات يعزز بشكل كبير العوائد طويلة الأجل للمستثمر المتوسط.
- البساطة: صناديق المؤشرات بسيطة، ولا تتطلب تحليلاً معقداً أو اتخاذ قرارات عاطفية. يمكن للمستثمرين الشراء والاحتفاظ، والاستفادة من النمو الإجمالي للاقتصاد.
لقد ربح بافيت رهاناً مشهوراً ضد مدير صندوق تحوط، أثبت فيه أن صندوق مؤشر S&P 500 منخفض التكلفة يمكن أن يتفوق على مجموعة مختارة من صناديق التحوط المدارة بنشاط على مدار عقد من الزمن. ونصيحته لعائلته لإدارة ميراثهم بعد وفاته هي استثمار 90% في صندوق مؤشر S&P 500 منخفض التكلفة و10% في سندات حكومية قصيرة الأجل.
مكانة إنفيديا داخل المؤشر
أدى صعود إنفيديا النيزكي، مدفوعاً بشكل خاص بطفرة الذكاء الاصطناعي، إلى دفع قيمتها السوقية إلى مستويات مذهلة. ونتيجة لذلك، أصبحت واحدة من أكبر الشركات في مؤشر S&P 500. وبما أن صناديق الاستثمار المتداولة في S&P 500 مرجحة بالقيمة السوقية، فإن حجم إنفيديا المتزايد يعني أنها تشكل جزءاً كبيراً ومتزايداً من هذه الصناديق.
عندما تستثمر "بيركشاير هاثاواي" في SPY أو VOO، فهي لا تراهن مباشرة على إنفيديا. بدلاً من ذلك، فهي تراهن بشكل عام على أداء الاقتصاد الأمريكي للشركات ذات رأس المال الكبير، كما يمثله مؤشر S&P 500. إن إدراج إنفيديا، ووزنها المتزايد، هو ببساطة نتاج لنجاحها في السوق، وليس تأييداً محدداً من بافيت لمزاياها الفردية كمرشح للاستثمار المباشر. لذلك، فإن تعرض بيركشاير لإنفيديا هو نتيجة خوارزمية طبيعية لحيازاتها في صناديق مؤشرات السوق الواسعة.
التوفيق بين فلسفة بافيت والوجود غير المباشر لإنفيديا
إن وجود إنفيديا في محفظة بيركشاير هاثاواي، وإن كان بشكل غير مباشر، يسلط الضوء على جانب دقيق من استراتيجية بافيت الاستثمارية. إنه ليس تناقضاً بل هو دليل على مقاربته البراغماتية لتخصيص رأس المال، مع الاعتراف بدائرة كفاءته الشخصية وبالاستراتيجية المثلى للتعرض المتنوع.
الاعتراف بحدود الفهم
يشتهر بافيت بتواضعه فيما يتعلق بما لا يعرفه. وقد صرح مراراً وتكراراً بعدم ارتياحه للاستثمار في شركات لا يمكنه فيها التنبؤ بثقة بمشهدها التنافسي المستقبلي أو تدفقاتها النقدية، خاصة في القطاعات التكنولوجية سريعة التطور.
بالنسبة لشركة مثل إنفيديا:
- التعقيد التكنولوجي: تقع تعقيدات تصميم الرقائق، وعمليات تصنيع أشباه الموصلات، وأحدث أبحاث الذكاء الاصطناعي خارج نطاق تحليل الأعمال التقليدي الذي يتخصص فيه بافيت. وهو يعترف بأنه لن يعرف كيف يقيم الميزة التكنولوجية لإنفيديا على المنافسين المستقبليين المحتملين، أو كيف يمكن لاختراق من منافس أن يؤثر على خندقها طويل الأجل.
- التنبؤ بالتقادم: في عالم التكنولوجيا، يمكن أن يصبح منتج اليوم المهيمن هو ديناصور الغد. يفضل بافيت الشركات ذات الطلب المستقر والحاجة الدائمة والواضحة لمنتجاتها، بدلاً من تلك التي تعتمد على الابتكار المستمر للبقاء في الصدارة. وتيرة التغيير السريعة في صناعة أشباه الموصلات تجعل هذه القدرة على التنبؤ طويلة الأجل صعبة المنال.
- صعوبة التقييم: كما نوقش سابقاً، فإن النمو الأسي، وارتفاع تكاليف البحث والتطوير، وعناصر المضاربة حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي المستقبلية تجعل التقييم الجوهري الدقيق أمراً صعباً. يتطلب بافيت "هامش أمان" واضحاً، وهو ما يصعب التأكد منه عندما يكون المستقبل غير مؤكد إلى هذا الحد.
من خلال الاستثمار في صناديق المؤشرات S&P 500، يقول بافيت في الأساس: "أنا لا أفهم تعقيدات كل شركة في المؤشر، مثل إنفيديا، لكنني أؤمن بالنمو الإجمالي للاقتصاد الأمريكي، وهذه الصناديق هي أفضل وسيلة لغالبية المستثمرين للمشاركة في ذلك النمو، بما في ذلك الأجزاء التي لا أفهمها تماماً". إنه اعتراف بالحدود وليس تأييداً مباشراً.
استثناء "أبل" والفرق مع إنفيديا
من المهم ملاحظة أن بافيت قد قام باستثمار مباشر كبير في شركة تكنولوجيا: وهي "أبل" (Apple). قد يبدو هذا متحدياً لحجة "دائرة الكفاءة"، لكن مبرر بافيت لشركة أبل متميز ويوضح سبب عدم تناسب إنفيديا مع معايير استثماره المباشر حتى الآن.
ينظر بافيت إلى أبل ليس كشركة تكنولوجيا بقدر ما ينظر إليها كـ "شركة منتجات استهلاكية" أو حتى "سلعة استهلاكية أساسية". وتستند أطروحته الاستثمارية لأبل على:
- الولاء للعلامة التجارية: الولاء القوي جداً للعلامة التجارية وقفل النظام البيئي (تكاليف التبديل المرتفعة) لمستخدمي آيفون.
- عمليات الشراء المتكررة: يقوم العملاء باستمرار بترقية أجهزة آيفون الخاصة بهم وأجهزة أبل الأخرى.
- إيرادات الخدمات: الإيرادات المتنامية والمتوقعة من قسم الخدمات في أبل.
- الخندق الاقتصادي: تخلق علامة أبل التجارية ونظامها البيئي وشبكة توزيعها خندقاً قوياً ودائماً بشكل لا يصدق.
- الأرباح المتوقعة: كان بإمكانه فهم وتوقع أرباح أبل المستقبلية وتدفقاتها النقدية بيقين معقول، بشكل مشابه لشركتي كوكاكولا أو أمريكان إكسبريس.
أما إنفيديا، رغم قوتها، فتفتقر إلى هذه الخصائص المحددة في إطار بافيت التقليدي:
- التركيز على الشركات (B2B): بينما يستفيد المستهلكون من تقنية إنفيديا، فإن محركات إيراداتها الرئيسية هي الشركات (مراكز البيانات، السيارات، التطبيقات المهنية)، وليس المبيعات الاستهلاكية المباشرة بنفس طريقة عمل أبل.
- الحدود التكنولوجية: إنفيديا في طليعة التكنولوجيا سريعة التطور باستمرار. خندقها مدفوع بالابتكار والأداء، وهو ما يمكن أن يتحدى من خلال التحولات التكنولوجية المستقبلية، في حين أن خندق أبل مستمد إلى حد كبير من العلامة التجارية والنظام البيئي وتجربة المستخدم.
- الافتقار إلى طابع "السلعة الاستهلاكية": يمكن لبافيت أن يفهم لماذا سيشتري الناس دائماً المشروبات الغازية أو التأمين. أما فهم الطلب طويل الأجل والمتوقع على بنى هندسية معينة لوحدات GPU وسط التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي فهو تحدٍ مختلف تماماً.
وبالتالي، تمثل أبل شركة تكنولوجيا تناسب معاييره للعلامات التجارية الاستهلاكية والأرباح المتوقعة، بينما لا تزال إنفيديا، رغم براعتها، تقع خارج ذلك النطاق المحدد للاستثمار المباشر.
صناديق المؤشرات كاستراتيجية متنوعة ومريحة
يتماشى امتلاك بيركشاير هاثاواي لصناديق المؤشرات S&P 500 مع نصيحة بافيت الأوسع لتخصيص رأس المال، خاصة لرأس المال الذي لا يتم توظيفه في استثمارات قيمة مباشرة عالية الثقة.
- الاستثمار الافتراضي لرأس المال غير الموظف: بينما الهدف الأساسي لبيركشاير هو العثور على شركات استثنائية للاستحواذ عليها أو الاستثمار فيها مباشرة، فإنها تراكم حتماً كميات هائلة من النقد. وبدلاً من ترك هذا النقد خاملاً أو استثماره في أدوات منخفضة العائد، فإن تخصيص جزء لصناديق مؤشرات السوق الواسعة يوفر تعرضاً متنوعاً للسوق ويشارك في النمو الاقتصادي العام دون الحاجة إلى خبرة محددة في اختيار الأسهم.
- التوافق الفلسفي: يتماشى ذلك مع دفاعه العلني عن صناديق المؤشرات كأفضل استراتيجية لغالبية المستثمرين، حتى لو كان هو نفسه يعمل بشكل مختلف مع رأس المال الأساسي لبيركشاير. إنها مقاربة "افعل كما أقول لغالبية الناس، وافعل كما أفعل في الإدارة النشطة حيث أمتلك ميزة".
- إدارة المخاطر: توزع صناديق المؤشرات المخاطر بطبيعتها عبر مئات الشركات، مما يخفف من تأثير ضعف أداء أي شركة فردية أو فشلها. وهذا يتناقض مع الاستثمار المباشر المركز، الذي يحمل مخاطر فردية أعلى.
تخصيص رأس المال وتكلفة الفرصة البديلة
أخيراً، حتى بالنسبة لبيركشاير هاثاواي، فإن رأس المال ووقت الإدارة موارد محدودة. فكل قرار استثماري ينطوي على تكلفة فرصة بديلة. ويقوم بافيت وفريقه باستمرار بمقارنة الاستثمارات المباشرة المحتملة ببعضها البعض، بحثاً عن أفضل الفرص التي تلبي معاييرهم الصارمة.
إذا تم القيام باستثمار مباشر في إنفيديا، فهذا يعني التخلي عن استثمار محتمل آخر في صناعة يفهمونها بعمق أكبر، أو الاحتفاظ بالنقد لفرص مستقبلية. وقد يجعل النمو المرتفع والتقييم العالي لإنفيديا من الصعب أيضاً الاستحواذ على حصة كبيرة بسعر يوفر هامش الأمان الذي يرغب فيه بافيت. فهو غالباً ما يبحث عن "الفرص السهلة والمضمونة" (Fat Pitches) – وهي الصفقات الواضحة التي يتجاهلها السوق. ونادراً ما تقدم أسهم التكنولوجيا المحلقة مثل إنفيديا، والمعترف بها على نطاق واسع والمقيمة بشكل مرتفع، مثل هذه الفرص.
الآثار الأوسع للمستثمرين
يقدم التمييز بين استثمارات بافيت المباشرة وتعرض بيركشاير غير المباشر لإنفيديا من خلال صناديق المؤشرات دروساً عميقة لجميع المستثمرين، بغض النظر عن فئة الأصول المفضلة لديهم أو السوق الذي يعملون فيه.
التعلم من حكمة بافيت
تسلط مقاربة بافيت الضوء على أهمية التواضع الفكري في الاستثمار. إن استعداده للاعتراف بما لا يفهمه، حتى في الشركات الناجحة للغاية، هو مثال قوي على الإدارة الحكيمة للمخاطر.
- اعرف حدودك: يجب على المستثمرين تحديد "دائرة كفاءتهم" الخاصة ومقاومة الرغبة في الاستثمار في شركات أو قطاعات لا يفهمونها حقاً، بغض النظر عن الضجيج المحيط بها.
- التركيز على الأساسيات: حتى في الأسواق سريعة الحركة، يظل فهم العمل الأساسي، وتدفقات إيراداته، ومزاياه التنافسية، واستدامته على المدى الطويل أمراً بالغ الأهمية.
- الصبر والانضباط: يؤكد أفق بافيت طويل الأجل وإصراره على هامش الأمان على قيمة الصبر وتجنب القرارات العاطفية قصيرة الأجل.
التعرض المباشر مقابل التعرض المتنوع
توضح حالة إنفيديا أيضاً الأدوار المختلفة لاختيار الأسهم المباشر مقابل الاستثمار في المؤشرات المتنوعة:
- الاستثمارات المباشرة: هي رهانات عالية الثقة حيث قام المستثمر ببحث عميق، ولديه أطروحة قوية، ويعتقد أن لديه ميزة معلوماتية أو تحليلية. وهي توفر إمكانية تحقيق عوائد ضخمة ولكنها تأتي مع مخاطر أعلى مرتبطة بالشركة الفردية.
- التعرض المتنوع (صناديق الاستثمار المتداولة/صناديق المؤشرات): هي "رهانات" على السوق العام أو قطاع واسع. وهي مناسبة للمستثمرين الذين ليس لديهم الوقت أو الخبرة أو الرغبة في اختيار الأسهم الفردية. وتوفر عوائد السوق الواسعة مع مخاطر فردية أقل ورسوم أقل عادةً.
يستخدم بافيت، من خلال بيركشاير، كلتا الاستراتيجيتين: الاستثمارات المباشرة المركزة حيث يمتلك ميزة، وصناديق المؤشرات المتنوعة للتعرض الخامل وكخزان لرأس المال. بالنسبة لغالبية المستثمرين الأفراد، تظل نصيحته واضحة: غالباً ما تكون صناديق المؤشرات هي الخيار الأفضل.
التعريف المتطور لـ "القيمة"
أخيراً، تعكس الديناميكية بين فلسفة بافيت ونجاح إنفيديا التطور المستمر لما يشكل "قيمة" في الأسواق الحديثة. فبينما يبحث الاستثمار التقليدي في القيمة غالباً عن الأصول الملموسة والتدفقات النقدية المتوقعة، قدم العصر الرقمي أشكالاً جديدة من القيمة، مثل تأثيرات الشبكة، والخوارزميات المملوكة، والسيادة على البيانات.
تجسد إنفيديا شركة ترتبط قيمتها بشكل كبير بملكيتها الفكرية، وريادتها التكنولوجية، ودورها المحوري في الاتجاهات الكبرى الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي. ورغم أن بافيت قد لا يستثمر مباشرة بسبب إطاره الحالي، إلا أن السوق بوضوح يمنح قيمة هائلة لهذه السمات. وهذا يدفع المستثمرين إلى التفكير في كيفية تكييف أساليب تقييمهم للشركات التي تعمل في طليعة الابتكار، مع الموازنة بين إمكانية النمو الأسي والشكوك المتأصلة في التغيير التكنولوجي. لذلك، يمثل تعرض بافيت غير المباشر درساً متقدماً في كيفية تمكن حتى أكثر المستثمرين تمسكاً بمبادئهم من التنقل بذكاء في تعقيدات الأسواق الحديثة مع البقاء صادقين مع مبادئهم الأساسية.